أسدل النجم المصري محمد صلاح الستار على واحدة من أعظم الرحلات الاحترافية في تاريخ اللاعبين العرب داخل الملاعب الأوروبية، بعدما خاض مباراته الأخيرة بقميص ليفربول أمام برينتفورد في الجولة الختامية من منافسات الدوري الإنجليزي الممتاز، لينهي بذلك مسيرة استثنائية امتدت تسعة أعوام داخل قلعة «أنفيلد»، تحوّل خلالها من صفقة واعدة إلى أحد أبرز أساطير النادي الإنجليزي عبر تاريخه.
ولم تكن رحلة محمد صلاح مع ليفربول مجرد تجربة احترافية ناجحة، بل كانت قصة استثنائية أعادت الفريق إلى منصات التتويج المحلية والقارية، وكتبت فصولاً من المجد ستظل محفورة في ذاكرة جماهير «الريدز» لسنوات طويلة. فمنذ انضمامه إلى الفريق في صيف عام 2017 قادماً من نادي روما الإيطالي، فرض النجم المصري نفسه سريعاً كأحد أهم ركائز الفريق، وأصبح رمزاً للنجاح والاستمرارية والإنجاز.
وخلال تسعة مواسم بقميص ليفربول، خاض محمد صلاح 442 مباراة في مختلف البطولات، لعب خلالها سبعة مواسم تحت قيادة المدرب الألماني يورجن كلوب، قبل أن يواصل رحلته في الموسمين الأخيرين تحت قيادة المدرب الهولندي آرني سلوت، ليؤكد قدرته على الحفاظ على مستواه الاستثنائي رغم تغير الأجهزة الفنية والظروف المختلفة.
وترك «الملك المصري» بصمة تهديفية مذهلة يصعب تكرارها، بعدما نجح في تسجيل 257 هدفاً، إلى جانب صناعة 123 هدفاً آخر، ليحقق معدلاً تهديفياً بلغ 0.58 هدف في المباراة الواحدة، فيما وصل متوسط مساهماته المباشرة إلى 0.85 مساهمة في كل لقاء، وهي أرقام تعكس حجم التأثير الكبير الذي صنعه في الخط الأمامي للفريق طوال سنواته داخل النادي.
وعلى مستوى البطولات الجماعية، لعب محمد صلاح دور البطولة في إعادة ليفربول إلى منصة التتويج بالدوري الإنجليزي الممتاز، بعدما قاد الفريق في عام 2020 لتحقيق اللقب الغائب منذ 30 عاماً، في إنجاز تاريخي انتظرته جماهير النادي طويلاً، ليصبح ذلك التتويج أحد أبرز المحطات في تاريخ «الريدز» الحديث.
وعاد صلاح ليؤكد مكانته القيادية عندما ساهم في قيادة ليفربول نحو لقب الدوري الإنجليزي مجدداً عام 2025، في الموسم الأول بعد رحيل المدرب يورجن كلوب، بعدما قدم موسماً استثنائياً أنهاه هدافاً للمسابقة برصيد 29 هدفاً، كما توج بجائزة أفضل لاعب في البطولة، ليؤكد أنه لا يزال الرقم الأصعب في الفريق رغم مرور السنوات.

كما كان للنجم المصري دور بارز في تتويج ليفربول بلقب دوري أبطال أوروبا عام 2019، بعدما نجح الفريق في تعويض خسارة نهائي 2018، قبل أن يعود مجدداً إلى النهائي في نسخة 2022، في تأكيد واضح على المكانة التي استعادها النادي أوروبياً خلال فترة وجود محمد صلاح.
وامتدت إنجازات صلاح مع ليفربول لتشمل الفوز بلقب كأس الاتحاد الإنجليزي، ولقبين لكأس الرابطة الإنجليزية، ولقب الدرع الخيرية، بالإضافة إلى كأس السوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية، ليصبح أحد أكثر اللاعبين تتويجاً بالألقاب في تاريخ النادي الحديث.
أما على المستوى الفردي، فقد رسخ محمد صلاح اسمه بين عظماء الدوري الإنجليزي الممتاز، بعدما أصبح اللاعب الوحيد إلى جانب الأسطورة الفرنسي تييري هنري الذي توج بجائزة هداف الدوري الإنجليزي أربع مرات، في إنجاز يؤكد قيمته الكبيرة كواحد من أفضل المهاجمين الذين مروا على المسابقة.
وجاء أول تتويج له بلقب الهداف في موسم 2017-2018 بعدما سجل 32 هدفاً، ثم كرر الإنجاز في موسم 2018-2019 برصيد 22 هدفاً، قبل أن يحصد الجائزة مجدداً في موسم 2021-2022 بتسجيله 23 هدفاً، ثم عاد ليتوج بها للمرة الرابعة في موسم 2024-2025 بعدما أحرز 29 هدفاً.
وشهدت بعض هذه المواسم تقاسم الجائزة مع نجوم آخرين، حيث اقتسمها في عام 2019 مع بيير إيميريك أوباميانج وساديو ماني، كما تقاسمها في موسم 2021-2022 مع النجم الكوري الجنوبي سون هيونج مين.
وخلال رحلته بقميص ليفربول، أنهى محمد صلاح ثمانية مواسم متتالية كأفضل هداف للفريق، ولم يغب عن صدارة هدافي النادي إلا في موسمه الأخير، كما توج خمس مرات بجائزة أفضل لاعب داخل النادي، في دلالة واضحة على استمرارية تأثيره الفني داخل الفريق.
وامتدت هيمنة صلاح الفردية إلى الجوائز الكبرى في الكرة الإنجليزية، بعدما حصد ثلاث مرات جائزة أفضل لاعب من رابطة الكتاب الإنجليز، وتوج مرتين بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، بالإضافة إلى ثلاث مرات بجائزة لاعب العام من رابطة اللاعبين المحترفين.
وبفضل أهدافه الـ257، احتل محمد صلاح المركز الثالث في قائمة الهدافين التاريخيين لنادي ليفربول، خلف الويلزي إيان راش صاحب 339 هدفاً، والإنجليزي روجر هانت الذي سجل 280 هدفاً، وهو رقم بدا قريباً من النجم المصري لو استمر لموسم إضافي مع الفريق.
أما في قائمة الهدافين التاريخيين للدوري الإنجليزي الممتاز، فقد نجح محمد صلاح في احتلال المركز الرابع برصيد 193 هدفاً، ليصبح أفضل هداف أجنبي في تاريخ المسابقة، متفوقاً على العديد من الأسماء الكبيرة التي صنعت تاريخ الدوري.
ولا يسبق محمد صلاح في القائمة التاريخية لهدافي الدوري الإنجليزي سوى الثلاثي آلان شيرار، وهاري كين، وواين روني، بينما يأتي خلفه عدد من الأساطير، أبرزهم آندي كول وسيرجيو أجويرو، ليؤكد النجم المصري مكانته بين كبار هدافي المسابقة عبر تاريخها.
ومع نهاية هذه الرحلة التاريخية، يترك محمد صلاح خلفه إرثاً استثنائياً لن يُمحى من ذاكرة جماهير ليفربول وكرة القدم العالمية، بعدما انتقل من لاعب عربي يسعى لإثبات نفسه في الملاعب الأوروبية، إلى أيقونة كروية خالدة صنعت المجد، وكتبت اسمها بأحرف من ذهب في تاريخ أحد أكبر أندية العالم.
